الشيخ محمد رشيد رضا

456

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بأحد هذه الأمور بل تبقى على إطلاقها فتصدق بالسرقة أيضا فإنها من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس ولكن يعتبر فيها هذا الوصف المنصوص وهو أن تكون مبينة أي ظاهرة فاضحة لصاحبها وإنما اشترط هذا القيد لئلا يظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة واللمم ، أو بمجرد سوء الظن والتهم ، فمن الرجال الغيور السىء الظن يؤاخذ المرأة بالهفوة فيعدها فاحشة . وقد حرم اللّه المضارة لأجل أن يأخذ الرجل منها بعض ما كان آتاها من صداق أو غيره فعلم منه أن المضارة لأخذ جميع ذلك أو أكثر منه حرام بالأولى . وإنما أبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بالفاحشة المبينة لأن المرأة قد تكره الرجل وتميل إلى غيره ، فتؤذيه بفحش من القول والفعل ليملها ويسأم معاشرتها فيطلقها فتأخذ ما كان آتاها وتتزوج آخر تتمتع معه بمال الأول وربما فعلت معه بعد ذلك كما فعلت بالأول . وإذا علم النساء أن العضل والتضييق بيد الرجال ومما أبيح لهم إذا هن أهنهم بارتكاب الفاحشة المبينة فان ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل الكسب ( وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) أي يجب عليكم أيها المؤمنون أن تحسنوا عشرة نسائكم بأن تكون مصاحبتكم ومخالطتكم لهن بالمعروف الذي تعرفه وتألفه طباعهن ولا يستنكر شرعا ولا عرفا ولا مروءة . فالتضييق في النفقة والايذاء بالقول أو الفعل وكثرة عبوس الوجه وتقطيبه عند اللقاء كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف . وفي المعاشرة معنى المشاركة والمساواة أي عاشروهن بالمعروف وليعاشرنكم كذلك وروى عن بعض السلف انه يدخل في ذلك أن يتزين الرجل للمرأة بما يليق به من الزينة لأنها تتزين له ، والغرض أن يكون كل منهما مدعاة سرور الآخر وسبب هنائه في معيشته ، وقد فسر المعروف بعضهم بالنصفة في القسم والنفقة والاجمال في القول والفعل ، وفسره بعضهم تفسيرا سلبيا فقال هو أن لا يسئ إليها ولا يضرها وكل منهما ضعيف وجعل الأستاذ الامام المدار في المعروف على ما تعرفه المرأة ولا تستنكره وما يليق به وبها بحسب طبقتهما في الناس وقد أشرنا إلى ذلك . وأدخل فيه بعضهم وجوب الخادمة لها إن كانت ممن لا يخدمن أنفسهن وكان الزوج قادرا على أجرة الخادمة . وقلما يقصر المسلمون فيما يجب للنساء من النفقة بل هم أكثر أهل الملل إنفاقا